صديق الحسيني القنوجي البخاري
32
فتح البيان في مقاصد القرآن
الْمُهاجِرِينَ أي الذين هاجروا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رغبة في الدين ونصرة له ، قال قتادة : هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار والأموال والأهلين كما قال تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ [ الحشر : 8 ] أي حيث أخرجهم كفار مكة منها ، واضطروهم إلى الخروج وكانوا مائة رجل ، قال النسفي : وفيه دليل على أن الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين ، لأن اللّه سمى المهاجرين فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال . يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً أي حال كونهم يطلبون منه أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا وبالرضوان في الآخرة وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالجهاد للكفار بأنفسهم وأموالهم ، والمراد نصر دينه وإعلاء كلمته ، وهذا حال مقدرة أي ناوين نصرتهما إذ وقت خروجهم لم تكن نصرة بالفعل . أُولئِكَ المتصفون بتلك الصفات هُمُ الصَّادِقُونَ أي الكاملون في الصدق ، الراسخون فيه ، قال قتادة : هم المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر ، وخرجوا حبا للّه ولرسوله ، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة ، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع ، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها « وعن سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، يدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم ، وذلك خمسمائة سنة » « 1 » أخرجه أبو داود ثم لما فرغ من مدحهم مدح الأنصار بخصال حميدة فقال : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ وهو كلام مستأنف ، والمراد بالدار المدينة ، وهي دار الهجرة ومعنى تبوّئهم أنهم اتخذوهما مباءة أي تمكنوا منهما تمكنا شديدا والتبوء في الأصل إنما يكون للمكان ، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلا للحال منزلة المحل ، وقيل : التقدير واعتقدوا الإيمان أو أخلصوا الإيمان كذا قال أبو علي الفارسي أو تبوأوا الدار وموضع الإيمان ، ويجوز أن يكون تبوّأوا مضمنا معنى لزموا ، أي لزموا الدار والإيمان ومعنى مِنْ قَبْلِهِمْ أسلموا في ديارهم ، وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل هجرة المهاجرين ، وقبل قدوم النبي صلى اللّه عليه وسلم بسنتين ، فلا بد من تقدير مضاف ، لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين ، وقيل : من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوّء الدار . وقد أخرج البخاري . عن عمر بن الخطاب أنه قال : « أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في العلم باب 13 ، وأحمد في المسند 3 / 63 ، 69 .